أما قبل

شاشات

 

بطبعه يعد المثقف شخصاً ناقداً يرى كل الأمور من زاوية مختلفة، ويجيد أي عمل ضمن اختصاصه أفضل من غيره، ويعرف القيام بأمور كثيرة ، لكنه يهتم بأشياء أكثر قيمة بالنسبة له، وبطبيعة الحال لن يعرف أحد برأيه إن لم يكن شخصاً له صلة أو على مسافة قريبة منه، وقد أتاحت التكنولوجيا المعاصرة للكثيرين الانفتاح على شاشات بعضهم البعض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها الفيسبوك باعتباره ميداناً رحباً لإنشاء صفحات خاصة لنشر الصور التعليقات والمقالات والـ" لايكات" وكل ما يتصل بما هو شخصي وخاص، لكنه يصبح عاماً عندما يوضع على صفحة ما يراها كل الأصدقاء أو أصدقاء الأصدقاء وأحياناً العامة من عابري الفيسبوك أو الذين يمدون رقابهم نحو الفيس لعرفوا منْ كَتبَ منْ عَلقَ منْ رفع إبهامه إعجاباً.

في تلك الصفحات تجد صورة وتحتها تعليق "أنا وصديقاتي في الحنتور نجوب شوارع أصيلة، أو في مكان أخر تجد الصديقات "يتحنترن" في مهرجان قاهري أو ينشرن صورة لشباب انتهى منذ عهد بعيد ولا بد من التعليق تحتها "أنا وحمادة في باريس" ولا أحد يسألني من هو حمادة! وفي صفحة أخرى تنهال الصور على رأس زوار الصفحات الذين باتوا يعرفون دقائق حياة بعضهم وكأنهم ينقلون تجربة تلفزيون الواقع إلى شاشاتهم الزرقاء حيث يأكلون وينامون ويرقصون ويتخاصمون ويتصالحون عبر الصور التي ينشرونها في الفيسبوك، ناهيك عن أعياد الميلاد التورتة وباقات الزهر التي ذبلت من كثرة اللايكات.

تلك الصفحات تتعرض لانتقادات الأصدقاء فتراهم لا يحبذون نشر صور علامات الأبناء في المدرسة أو صور الجدات في المستشفيات، أو هدايا الزوجات للحموات، ولا يخلو الأمر من عبارة غاضبة " ارحمونا من صوركم الشخصية" أو عبارة "فلقتونا بتفاصيل حياتكم وكأن الدنيا لم تخلق لسواكم" وفي عبارة أقل غضباً " مش حلوة هالصورة انت أحلى من هيك"، وهكذا تمضي موجات العالم الأزرق دون أن يفكر أحدنا قبل نقده لصورة أو لتعليق أو رأي..

تلك الصفحات (صفحات شخصية) من حق صاحبها أن ينشر ما يشاء فيها طالما لا تخالف قانون النشر المتبع في مواقع التواصل، وليس من حقنا أن نصادر سلوك الأخرين في ملعبهم الأزرق، وإذا كان الأمر يشكل قلقاً لنا يمكننا إيقاف صداقة الأخر عبر الفيسبوك ولن يعرف ذلك، لأن مارك زوكربيرغ درَس أمزجة الناس، فاحترم رغباتهم، علنا نحترم خصوصيات الأصدقاء فلا نزعجهم بتعلق أو ننكزهم بعصانا الفضولية وكأن لنا الحق في المصادرة .. مصادرة سلوك الأخرين لأنه لم يعجبنا .. وما أكثرنا!

حسين درويش

darouich.hussein@gmail.com

تورونتو،أونتاريو - كندا

1 شاريع يونغ، جناح#1801

Tronto, Ontario M5E 1W7 - Canada

Yonge Street, Suite# 1801 1

©2019 by Qira'at