يصادف عام 2019 مع الذكرى الخامسة والعشرين للمذبحة الكبرى التي تعرّضت لها قبيلة "التوتسي" في رواندا الإفريقية من قبل قبيلة "الهوتو" في صيف عام 1994. بلغ عدد ضحايا تلك المذبحة حوالي المليون نسمة دون إن تثير اهتمام الرأي العام العالمي قبل أن تهتم بها وسائل الإعلام.

 وكان لا بدّ من مرور عشرين عاما على ذلك الصيف الرهيب كي تستطيع "كليمانتين واماريا"، إحدى الفتيات الناجيات من المذابح واللاجئة منذ أكثر من عقدين من الزمن في الولايات المتحدة الأميركية، الكتابة عن تلك المأساة وعن معاناتها خلال السنوات التي تلتها.

 وبمساعدة الصحفية "اليزابيت ويل" في "نيويورك تايمز ماغازين" التي ساهمت بصياغة قصّة معاناة سنوات الهرب والتشرّد ثم المغامرة في بلد اللجوء بحثا عن "إصلاح رواسب نفسيّة شديدة التعقيد". رواسب ظلّت راسخة في الأعماق رغم "النجاح"على طريقة تحقيق "الحلم الأميركي" وإتمام "كليمانتين" دراستها في جامعة "يال" الشهيرة.

كان عمر كلمانتين، كما تكتب، ستة أعوام عندما باغت الجزّارون منزل أسرتها وحيث استطاعت، هي وأختها "كلير" ذات الخمسة عشر ربيعا آنذاك، الهرب والعيش فترة ست سنوات كاملة في سبعة بلدان إفريقية انتهت بهما في نهاية المطاف إلى جنوب إفريقيا قبل الارتحال "كلاجئتين، إلى الولايات المتحدة الأميركية. كانتا تبحثان خلال سنوات التشرّد عن شيء واحد هو "بلوغ الأمن والأمان".

وتقدّم المؤلفة، صاحبة هذه الذكريات، توصيفا دقيقا لمختلف الآلام وأشكال العذاب التي واجهتها الأختان. وليس أقل ما عانتا منه هو الجوع والحجر وسوء المعاملة ومحاولات الاستغلال، عبر المرور في "معسكرات اللجوء" ذات الأوضاع "غير الإنسانيّة".

كانت المشاعر الأكثر قسوة مصدرها المصير الذي حلّ بأسرتهما، وهل والداهما وأخوتهما على قيد الحياة أم أصبحوا في عداد الأموات. وتشير المؤلفة أن الحياة تغدو أكثر صعوبة وقسوة مع صدمة التغيّر المفاجئ في مسيرة حياة البشر العادية.

وتعود "كليمانتين" بأشكال مختلفة لتوصيف أحداث يوم الهرب من "الموت". تكتب، فيما تكتب: " يوم حدوث ذلك. سمعنا أحدهم يقرع على الباب. أشارت لنا جدتي بالصمت المطبق. ثم تبعت ذلك بإشارة أخرى تدعونا فيها للهرب سريعا طلبا للنجاة. لقد عبرنا حقل عبّاد الشمس لنختبئ في حقل البطاطس الحلوة. اصطحبت معي غطاءً بألوان قوس قزح لم يكن في واقع الأمر سوى منشفة حمّام. كانت أختي كلير تجرّني من ذراعي. (....). عندما وصلنا إلى الأشجار الكبيرة شرعنا بالركض بكل ما تعنيه هذه الكلمة. وفي حقول أشجار الموز قابلنا آخرين أغلبهم من الشباب وكان البعض جرحى وتنزف دماؤهم".

وعلى مدى الكثير من صفحات الكتاب ومن واقع أيام الهرب والتشرّد والحطام البشري والجثث المتناثرة تروي المؤلفة عمق معاناة الهاربين من الموت إلى براثن ملحمة من العذاب والدماء والرعب في مخيمات اللجوء حيث "التهديد بالسرقة والاغتصاب بقي ماثلا في كل لحظة". وتبقى ماثلة أيضا بالنسبة للطفلتين، المؤلفة وأختها الكبرى، ذكريات"حديقة منزل سنوات الطفولة الهادئة"في كيغالي عاصمة بلادهما، وحيث رأت "كليمانتين" النور عام 1988.

وصفحات كثيرة تصف فيها ذلك الدور الكبير الذي لعبته الكبرى "كلير" في تصميمها "العنيد" على عدم الاستسلام لـ "مصير الضحايا" والسقوط. بل على العكس استطاعت "مسلّحة بإرادة التقدّم نحو الأمام" تجاوز أقسى الظروف والأوضاع الأكثر صعوبة وتهديدا.

 ومن خلال العودة إلى ذكريات الطفولة" المقهورة" التي عاشتها المؤلفة تلقي بالوقت نفسه الكثير من الأضواء على مذابح "إثنية" يجهل أغلبية البشر وقائع الأحداث الدامية التي عرفتها وربما لا يعرفون عن تلك المذابح أكثر من "وقوعها".

كانت "كليمانتين" تعيش مع أسرتها حياة هادئة وتلعب مع أخوتها في منزلهم المريح في رواندة لتجد نفسها في اليوم التالي، مشرّدة، تجري برفقة أختها، من أجل إنقاذ حياتهما والنجاة من "فؤوس الجزارين".

ومن خلال قراءة هذه المذكرات "الحزينة" نفهم أن كليمانتين، صاحبتها، تنحدر من أسرة ميسورة من الطبقة الوسطى في رواندة قبل سنوات التشرّد التي عاشتها بعد عملية " الهرب القسري".

وتحدد الكاتبة القول إن القليل القليل من حقيقة ما جرى في ذلك الصيف معروف من قبل أغلبية البشر. وإذا كان هناك عشرات بل مئات الآلاف من "المجهولين" الذين قضوا في ذلك الصيف الراوندي الرهيب، فإن القليل من الكتابات أولت اهتمامها لمعرفة معاناة "الناجين" من تلك المذابح وواقع التحديات التي كان عليهم مواجهتها في "محيط" كان معاديا في الكثير من الأحيان.

وفيما هو أبعد من " الألم" الذي يمكن أن تثيره قراءة هذا الكتاب عن تجربة معاشة في أقسى الظروف ، فإنه يثير الكثير من الأسئلة حول مدى "الوحشية" التي يمكن للبشر أن يقترفوها بحق بشر آخرين، مثلهم.

ومما ترويه المؤلفة أنه بعد وصولها إلى أرض "اللجوء" في الولايات المتحدة الأميركية بعيدا عن الحرب والمذابح لم يغادرها الخوف "ذلك بسبب "عدم القدرة على النسيان" و " ملاحقة شبح التخلّي عنها الذي ظلّ يلاحقها". وأيضا في ظل "الإحساس " بنوع من " اقتراف ذنب" أنها عاشت بينما قُتل مئات الآلاف من الراونديين في صيف المذابح عام 1994. ومن بينهم أهلها، كما كانت تعتقد، لتجدهم أمامها مع أخوتها الصغار، في مفاجأة معدّة لها، أثناء برنامج تلفزيوني أميركي عام 2006. "لقد كانت أجمل لحظة عرفتها في حياتي"، كما تقول. لكن في جميع الحالات استمرّ الصدام حادا بين الماضي والحاضر.

تشير كليمانتين بأشكال مختلفة أن ما مرّ بها تعبير عن معاناة كابد منها الملايين من الذين عاشوا تجربة من نفس النوع. تكتب المؤلفة:" كلمة إبادة لا تستطيع أن تشرح الألم الذي لا نهاية له". ذلك أن "جراح المذابح لا تندمل أبدا".

نقرأ : " في أغلب الأحيان تغدو حكايتي الشخصية مبعثرة مثل جواهر لا خيط يربط بينها. وفي كلّ مرّة ألملم بها ذكرياتي تأتي النتيجة مختلفة قليلا. وأخشى أحيانا أن أكون قد فقدت بوصلتي الداخلية".

الكتاب : الفتاة ذات البسمة البرّاقة

تأليف : كليمانتين واماريا       

الناشر: دوبلداي، كندا ــ 2018

275  صفحة

The girl How Smiled  Beads

 

Clementine Wamariya

Doubleday , Canada – 2018

 275 PP

الفتاة ذات البسمة البرّاقة

سبع سنوات من التشرّد هربا من القتل

تورونتو،أونتاريو - كندا

1 شاريع يونغ، جناح#1801

Tronto, Ontario M5E 1W7 - Canada

Yonge Street, Suite# 1801 1

©2019 by Qira'at