المخطوطات العربية والإسلامية في روسيا واليابان

جغرافيا قريبة..  وثقافة غريبة

حرصت كبرى الجامعات في العالم إلى جانب المتاحف، على اقتناء وجمع المخطوطات العربية لتكون متوفرة للأكاديميين الراغبين في دراستها. ولم ينحصر هذا الاهتمام في الغرب فقط، حيث اقتنيت العديد من المجموعات من قبل جامعات تقع في الشرق الأقصى من آسيا، مثل "معهد الدراسات المتقدمة" المعني بثقافات آسيا والتابع لجامعة طوكيو في اليابان، والمكتبة الوطنية في روسيا الاتحادية التي تعتبر الجسر الذي يصل بين آسيا وأوروبا جهة الشمال.

في مدينة سانت بطرسبرغ بروسيا الاتحادية، والتي تعد من أقدم مكتبات العالم بدأ القائمون عليها بجمع المخطوطات الشرقية منذ تأسيسها عام 1795 وحتى اليوم أكثر 183 مخطوط، من ضمنها مجموعة بيتر بتروفيتش دوبروفسكي "1754-1812"، مقتني الكتب النادرة والدبلوماسي المتبحر في دراسة علم المخطوطات التاريخية القديمة، والذي اقتنى خلال حياته ما يقارب من ألفيّ مخطوط إلى جانب عمله في المكتبة ما بين 1805 و1812.

أما المجموعة الأكبر من المخطوطات الإسلامية التي أغنت هذا الجزء من المكتبة، فقد حصلت عليها خلال حملات هجوم الجيش الروسي على تركيا وإيران، إلى جانب المجموعات المقتناة من قبل الدبلوماسيين والباحثين الروس في الخارج خلال في تلك المرحلة، وكانت الحصة الأكبر من قبل الرحالة كارايم، وعالم الآثار والتاجر أفرام فيركوفيتش.

بخط اليد

تضم المكتبة كتباً إسلامية كتبت بخط اليد، وأكثر من ألفيّ مخطوطة عربية من ضمنها مجموعة كاملة من القرآن الكريم المكتوب بالخط الكوفي ما بين القرن الثامن والحادي عشر، ويحمل زخرفة بأسلوب فن المماليك والتي يعود تاريخها إلى القرنين الرابع والخامس عشر، وفي الجغرافيا أكثر من 37 خريطة للعالِم العربي أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي أحد أشهر مؤسسي علم الجغرافيا "1100ـ 1166"، وهناك كتب عربية، كُتبت ونُسخت ليس في البلدان العربية فقط بل في إيران ووسط آسيا وتركيا وداغتسان وغيرها من المناطق الإسلامية.

وتشمل المجموعة 100 مخطوط عربي مسيحي، يعود تاريخ أقدمها إلى سنة 891 مع منمنمات زخرفية، و40 مخطوطاً سورياً من مسيحيي الشرق، 13 منهم تعود إلى الألفية الأولى كتاريخ الكهنة، و64 مخطوط قبطي من المرحلة ما بين القرن العاشر والقرن الثامن عشر، و800 وثيقة كتب من بلدان إسلامية مختلفة.

أما أبرز الأمكنة المتواجدة فيها المخطوطات فتتمركز في أربعة مدن. أولها سانت بطرسبرغ حيث معهد الدراسات الشرقية الذي يضم 10,700 قطعة ومخطوط، وكلية الدراسات الشرقية التي تضم 880، والمكتبة الوطنية التي يتجاوز عدد مخطوطاتها 11 ألف. وثانيها مدينة كازان التي تتوزع فيها المخطوطات العربية بين عدة مراكز كمتحف المنطقة، ومكتبة كلية الدراسات الشرقية في جامعتها، ومعهد اللغات والآداب والتاريخ، والمجموعات الخاصة في جامع كازان، وعددها يقارب من أربعة آلاف.

وثالثها مدينة مهاشكالا (داغستان) سابقاً، ويبلغ عدد المخطوطات العربية فيها ما يقارب من ثلاثة آلاف والتي تمت فهرستها ودراستها من قبل فريق للأكاديميين والباحثين في التاريخ، وعلم الآثار وعدد من طلاب جامعة المدينة. ويذهب هؤلاء الطلبة إلى الجبال والقرى بحثاً عن المزيد من المخطوطات التي ربما احتفظ بها عدد من العائلات، وأثمرت جهود الجميع عن إصدار كتاب بعنوان "المخطوطات العربية في داغستان".

ورابع المدن هي، موسكو حيث وصف خالدوف مجموعة مخطوطاتها العربية عام 1982 بالمتواضعة، ووضعها بنفس تراتبية المراكز الأخرى مثل باشيساراي في كريميا وكييف وخاركوف. وورد في ورقة الباحثين من موسكو ديميتري فرولوف وميخائيل إم ميير الخاصة بدراسات المؤتمر 23 للرابطة الأوروبية للدراسات العربية والإسلامية الذي نشر عام 2012 "أن مجموعات المراكز الثلاثة تلك خرجت مع التغيرات التاريخية في المنطقة من روسيا، إلى أوكرانيا".

وتحدث خالدوف عن المعاهد الخمسة في موسكو التي ضمت المخطوطات العربية وهي: مكتبة روسيا الاتحادية (مكتبة لينين سابقاً)، معهد مقاطعة موسكو للشؤون الخارجية، متحف المنطقة التاريخي، متحف الفنون الجميلة لفناني المشرق وأخيراً مكتبة جامعة موسكو. وأضاف إليها الباحثان فرولوف وميير مركزاً سادسا وهو، أرشيف روسيا الاتحادية للوثائق القديمة. ويُرجح كما ذكرا تواجد مقتنين لمجموعات خاصة في هذا المجال، نظراً لتواجد نسبة كبيرة من المسلمين فيها منذ القدم.

ومن مقتنيات مكتبتها مخطوط   قصة وصلت إلى روسيا عبر النسخة الإغريقية في عهد البيزنطيين وترجمت حينها إلى اللغة السلافية. أما النص العربي من القصة فقد نسخه أحد أفراد عائلة اليازجي في بداية القرن 18، ويتضمن المخطوط 28 وحدة مزخرفة بالذهب والمنمنمات في كل صفحة من حواشي الكتاب، كما توجد أيضاً واحدة من أقدم النسخ لديها وهي مخطوط "شرح التبريزي على سقط الزند لأبي العلاء المعري" والذي تم نسخه قبل عام 1345. أما المخطوط الأخير في المجموعة فهو حزمة مقالات تعود تبعاً لكلمات صاحبها إلى والد الأستاذ الجامعي ميخائيل عطايا، الذي قدم إلى روسيا من الشرق وتعلم في "معهد لازاريف للغات الشرق" الذي تأسس عام 1815.

أنس خالدوف في سطور

 

 

يعتبر البروفيسور أنس خالدوف (1929- 2001) احد مريدي كراتشكوفسكي في مجال اللغة العربية ودراسة المخطوطات العربية. وقد ترأس على مدى فترة طويلة قاعة اللغة العربية التي تحمل اسم الاكاديمي ا. كراتشكوفسكي وكذلك قسم الشرق الاوسط في فرع معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في مدينة سانكت- بطرسبورغ.

ولد أنس بافييفيتش خالدوف في 25 فبراير/شباط عام 1929 في قرية تشيركي- كوشاكوفو في جمهورية تتارستان. وكانت أمه فلاحة بسيطة بينما تلقى ابوه تعليما جيدا في مجال اللغة العربية. في عام 1940 انتقل أنس مع ابيه بعد تفكك الاسرة الى مدينة قازان ومن ثم الى طشقند في عام 1941 حيث انهى تعليمه في المدرسة التتارية. ولكن جرى عندئذ استدعاء والده للخدمة العسكرية فبقي أنس وحيدا وعاش في المرصد الفلكي في طشقند تحت رعاية علماء الفلك اللينينغراديين. وقد ساعدته هذه الصحبة على تعلم امور كثيرة في الحياة وفي مقدمتها حب البحث والعمل.

 

وفي عام 1946 التحق أنس خالدوف بقسم اللغة العربية في الكلية الشرقية بجامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا). وكانت الكلية الشرقية تضم في تلك الاعوام خيرة المختصين باللغة العربية وآدابها وباللغات الشرقية الاخرى بينهم 10 من اعضاء الاكاديمية الروسية. وكان يترأس قسم اللغة العربية الاكاديمي اغناطيوس كراتشكوفسكي. وبرز أنس بين اقرانه في سرعة تعلم اللغة العربية. وفي عام 1951 تخرج في الجامعة والتحق بقسم الدراسات العليا من اجل كتابة اطروحة حول النثر في ادب طه حسين.. وفي هذا العام توفي كراتشكوفسكي الذي تعرض لملاحقة اجهزة الامن كما جرى نقل معهد الاستشراق الى موسكو.

اهتم خالدوف بتحقيق المخطوطات العربية القديمة وساعده في ذلك رئيس القسم ف. بيليايف، وبعد انتقال الاخير للعمل في الجامعة أصبح خالدوف رئيسا للقسم. وبدأ بنشر المخطوطات واولها مخطوطة لأبي دلف وتحقيق "كتاب المنازل والديار" لأسامة بن منقذ الذي أظهر المستوى العلمي الرفيع للباحث. وفي اوساط الستينيات بدأ خالدوف بأعداد كتالوج المخطوطات العربية في بطرسبورغ بمشاركة العديد من العاملين في القسم. وصدرت بإشرافه ترجمة مقتطفات من " التأريخ " للطبري المتعلقة بتأريخ آسيا الوسطى و" كتاب الاوراق" للصولي. كما نشر كتابا جامعا بعنوان " المخطوطات العربية وتقاليد كتابة المخطوطات العربية"(عام 1985) الذي حصل لدى مناقشته كأطروحة على درجة دكتوراه في العلوم.

أنجز أنس خالدوف الى جانب تحقيق المخطوطات العربية والبحوث الخاص بها أعمالاً  كثيرة منها موسوعة "الإسلام في الامبراطورية الروسية السابقة" (ثلاث اصدارات) و " تاج الدين البولغاري. الترياق الكبير" لمحمد التميمي (الترجمة من العربية والتحقيق) وترجمة اجزاء من كتاب" الاغاني" لأبي فرج الاصفهاني وترجمة كتاب " الادب العربي" للمستشرق هاملتون جيب (عن الانجليزية) وغيرها.

 

اليابان .. علاقة خجولة مع كتب العرب

 

في بلاد الشرق الأقصى، تعتبر نسبة مقتنيات اليابان خجولة مقارنة بروسيا. وأهم مجموعة لديها فهي من مقتنيات المستشرق الألماني هانز ديبر "1942" الأستاذ في جامعة غوته بفرنكفورت. وكان ديبر خلال دراسته للشرق قد جمع 367 مخطوطاً إسلامياً، النسبة الأكبر منها بالعربية مع عدد محدود بالتركية والفارسية. وقد باع كامل مجموعته التي تتميز بتنوعها الجيد الذي يغطي أغلب العلوم الإسلامية، لجامعة طوطيو عام 1978 في محاولة من الجامعة لتشجيع الدراسات الإسلامية والعربية في البلاد.

وبادر معهد الدراسات المتقدمة "معهد الثقافات الشرقية سابقاً" بجامعة طوكيو على نشرها عام 1988 بكامل تفاصيلها مع رابط الكتروني لتحميلها. وقد تأسس هذا المعهد عام 1941، لتقديم دراسات شاملة عن ثقافات الشرق بمختلف علومها، وتركز البحوث فيها حول البلدان التي تتحدث اللغة الآسيوية، ليضم المعهد لاحقاً الغرب الأقصى وشمال أفريقيا حيث يتم استخدام اللغة العربية. وتحتوي هذه المجموعة كما يذكر المعهد على مواد غنية للبحث في مختلف حقول المعرفة المرتبطة بحياة المسلمين سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الرابعة عالمياً

احتل الاتحاد السوفيتي المركز الرابع عالمياً ضمن قائمة البلدان التي تضم أكبر عدد من أبرز وأهم مخطوطات العربية البالغ عددها 40 ألف، بعد تركيا التي تقتني 155 ، ومصر 80 ألف مخطوط، وإيران 60 ألف، والعراق 35 ألف والمغرب 35 ألف. وذلك استناداً لتصنيف أستاذها الجامعي الراحل أنس خالدوف "1927-2001" الذي يعتبر أحد أبرز انجازاته، إعدادة قائمة بمراجع النصوص العربية في بلده عام 1982، كما حرص على متابعة نشر مجلد "بريل، 1967" الذي اعتبر دليلاً ومرجعاً للباحثين في عالم المخطوطات العربية لعدة أجيال تلت. وبعد انهيار منظومته واستقلال بعض البلدان أصبح بحوزة روسيا 20 ألف مخطوط فقط.

معرفة الإعراب

لا يزال البحث جارٍ حتى اليوم بشأن العديد من المخطوطات في مجموعات موسكو لمعرفة مؤلفيها، ومثال عليها المخطوط العربي المعني بالقواعد والنحو ويبدو كما يقول الباحثان الأكاديميان ديمتري إف رولوف وميخائيل إم ميير، أنه مشروع كتاب يضم خمسة أجزا. ويرد في مقدمته "فهذه رسالة فيما يحتاج إليه كل معرب أشد الاحتياج فهو ثلاثة أشياء العامل والمعمول والعمل أي الإعراب. فوجب ترتيبها على ثلاثة أبواب ..."، ويرد في مقدمة الجزء الثاني: "فاعلم أنه لا بد لكل طالب معرفة الإعراب من معرفة مائة شيء ستون منها تسمي عاملاً وثلاثون منها تسمي معمولاً وعشرة منها تسمي عملاً وإعرابا".

تورونتو،أونتاريو - كندا

1 شاريع يونغ، جناح#1801

Tronto, Ontario M5E 1W7 - Canada

Yonge Street, Suite# 1801 1

©2019 by Qira'at