المهاجرون 

والهجرة

حديث الأمس

وتحديات اليوم

الرحيل: الهجرة والتعددية الثقافية في القرن 21

تأليف: بول كولييه

الناشر: لارتيور ــ 2018

416 صفحة.

EXODUS How Migration Is Changing Our World

Paul Collier 

L’artilleur –2018

PP 41

وطن الشتات: الصين الحديثة في عصر الهجرة

تأليف: شيللي شان

الناشر: جامعة ديوك ــ 2018

280 صفحة

Diaspora's Homeland

Shelly Chan

Duke University Press– 2018

PP 280

ألاولوية للأسرة: الهجرة والاندماج في كندا

تأليف: بول كولييه وآخرون

الناشر: جامعة كولومبيا البريطانية ــ 2018

288 صفحة

Putting Family First: Migration and Integration in Canada

Paul Collier and Others

University of British Columbia - 2018

PP 288

فرنسا الممنوعة

تأليف: لوران اوبيرتون

الناشر رينغ ــ 2018

531 صفحة

LA France Interdite 

Laurent Obertone Ring

Ring - 2018

 PP 531

غدت الهجرة أحد أكبر التحديات الراهنة التي تواجهها بلدان عديدة ويصح عليها توصيف الظاهرة "الكونية ــ يونيفرسال" مقولة شائعة رددها رؤساء فرنسا على مدى العقود الأخيرة المنصرمة مفادها "الهجرة هي حظّ بالنسبة لفرنسا" التفاوت في الدخل ومستوى المعيشة لا يعود لأسباب تتعلّق بالكفاءات الفردية أو معايير السلوك الاجتماعي بمقدار ما تتعاظم نسبة المهاجرين في بلد ما تغدو المسافة الثقافية أكبر أيضا مع مجتمع ذلك البلد.

طويلة هي سلسلة الكتب التي جعلت من "الهجرة" والمهاجرين " موضوعا لها. وبعد أن سادت طويلا فكرة أن الأقدمين  كانوا لا يميلون كثيرا إلى الحركة خارج المجال الجغرافي الذي كانوا يعيشون فيه. لكن الاكتشافات الأثرية الحديثة وعلوم الوراثة ــ DNA ــ أثبتت أن هجرات كبرى، بالقياس إلى عدد سكان المعمورة في عصرها، قد عرفتها البشرية منذ حقبة ما قبل التاريخ ولم تنقطع منذ ذلك التاريخ.

وقد دلّت المعنية بدراسة موجات الهجرات الكبرى في التاريخ البشري أن أوروبا، التي يتم تقديمها عبر الرؤية التاريخية السائدة أنها "المحرّك الأساسي" للتاريخ الإنساني، عرفت خلال الـ 15000 سنة الأخيرة ثلاث موجات كبرى من المهاجرين من بينها موجتان قدمتا من منطقة الشرق الأوسط. ولعله من غير الممكن الحديث اليوم عن أعراق صافية في أية منطقة من العالم.

بالتأكيد ساهمت الثورة الصناعية الكبرى التي كانت أوروبا الغربية مهدها الأساسي في تشجيع موجات الهجرة في جميع القارات وبينها. وما أنتجته تلك الثورة من تكنولوجيات، مع اكتشاف الكهرباء والآلة البخارية وفي سياقهما السيارة والقطار والطائرة...الخ، وما أشادته بناء على ذلك من بنى تحتية ليس أقلّها شأنا شبكة طرق المواصلات وخطوط السكك الحديدية، جعل من القارّة القديمة مركز ازدهار اقتصادي وبناء إمبراطوريات "استعمارية" شاسعة تدور حول المركز "الأوروبي".

بالتوازي كان اكتشاف العالم الجديد "أميركا" مصدر قوّة جذب كبرى أثمرت موجات هجرة استيطانية " بيضاء "،وفي الغالب انطلاقا من القارّة الأوروبية عموما ومن بريطانيا وأيرلندة خصوصا. لقد أصبحت أميركا وما تحتوي عليه من ثروات وجهة موجات متتالية من الهجرات على مدى قرون استحقت معها بجدارة توصيف "بلاد من المهاجرين".

على خلفية التطورات والتفاوت الكبير في الثروة عرفت الهجرات تسارعا كبيرا من بلدان الجنوب الموصوفة بالعالم الثالث،  نحو بلدان العالم الغربي الغنية وفي مقدّما الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية. كان لتلك الهجرات دوافع اقتصادية أوّلا، ولكن أيضا سياسية واجتماعية، على جانب بلدانها الأصلية؛ كما كان لها آثارها الاقتصادية الإيجابية في فترات الازدهار بالنسبة لبلدان استقبال المهاجرين على الجانب الآخر.  ودون نسيان آثارها المجتمعية والثقافية والانتماء ...ووصولا إلى الحديث عن تهديداتها للهويات الوطنية..

بكل الحالات غدت الهجرة أحد أكبر التحديات الراهنة التي تواجهها بلدان عديدة وغدا يصح عليها توصيف الظاهرة "الكونية ــ يونيفرسال" بجدارة.

 

 

ظاهرة الهجرة وتداعياتها ووظائفها والكثير من جوانبها تشكل "المحور الافتتاحي" في هذا العدد. الكتاب الأول يخص"الهجرة والتعددية الثقافية في القرن الحادي والعشرين"، ويحمل عنوانا رئيسيا مفاده "الرحيل".

صدر الكتاب باللغة الفرنسية في شهر مارس من هذه السنة 2019، بعد صدوره باللغة الإنكليزية، وفي الحالتين تحت عنوان "الرحيل"، بمعني "الهجرة الجماعية". ومؤلفه هو "بول كولييه" أستاذ الاقتصاد في جامعة "أكسفورد"البريطانية بعد تجربة عمل استمرّت سنوات كـمدير للأبحاث حول المسائل المتعلّقة بالتنمية في البنك الدولي.

يشير المؤلف بداية إلى النقاشات الطويلة و"الساخنة" التي أُثيرت في الغرب عموما خلال السنوات الأخيرة حول الهجرة وآثارها على بلدان المهاجرين الأصلية وخاصّة على بلدان استقبالهم في العالم الغربي الذي يشكّل وجهة المهاجرين عموما من الباحثين عن "مغادرة عالم البؤس وغياب آفاق المستقبل" إلى "عالم الثروة والازدهار" في أوروبا وأميركا.

ويحدد المؤلف القول أن كتابه "الرحيل"لا يشكّل جهدا من أجل قول ما الذي نفكّر فيه حيال الهجرة، ولكن من أجل "خلق إطار جديد للعمل". ويثير في هذا السياق أيضا السؤال "الجوهري التالي : "هل التنوّع ــ المجتمعي ــ هو إثراء أم تهديد للتلاحم الوطني؟". بكل الحالات يحدد المؤلف أن الغاية الأكبر تكمن في "تحديد المستوى المثالي للهجرة".

والتأكيد بأشكال مختلفة في هذا الكتاب على فكرة ضرورة الوصول إلى حالة من "التوازن" على العديد من المستويات. "التوازن" بين السكان الأصليين وفرص العمل وثروات البلدان المعنية. و"التوازن" في الإيقاع بين من يتم "امتصاصهم " من الشتات المهاجر وبين عدد المهاجرين الجدد.و"التوازن" في البلدان الأصلية للمهاجرين بين "زيادة المكاسب التي يمكن جنيها من الخارج وبين تأثير الأموال الواردة في تنشيط الاقتصاد ودعمه".

من اللافت للانتباه ولدهشة الكثيرين أن المؤلف يبدأ تحليلاته بالحديث عن "كارل هيلنشميت" الذي يضع صورته على مكتبه الخاص. ويشرح أن المعني هو مهاجر ألماني إلى بريطانيا ولم يكن يملك أي مبلغ من المال في مطلع القرن العشرين. وعندما نشبت الحرب العالامية الأولى عام 1914 أودعه البريطانيون السجن فانهارت زوجته بينما تولّ ابنه "كارل الصغير" تسيير أمور الأسرة.

كارل الابن غيّر كل شيء بما في ذلك أسم الأسرة لتصبح أسرة "شارل كونييه". وهو ليس سوى أب " بول كولييه"، أستاذ الاقتصاد في جامعة أكسفورد اليوم ومؤلف هذا الكتاب. هذا يعني أنه من سليلي أسرة مهاجرة. وهو أن يشير أن "الجدّ عانى من العنصرية والأب غيّر أسم الأسرة من أجل اندماج أفضل".

إن المؤلف يركز، انطلاقا من مجال اختصاصه الرئيسي، على البحث في آثار الهجرة في المجال الاقتصادي. ولا يتردد في التأكيد على أن الصورة لا تزال غائمة بهذا الصدد حيث تنقسم الآراء بين النظر للمهاجرين كعنصر إيجابي لدفع عجلة الاقتصاد الغربي إلى الأمام وبين من يؤكّد أنهم سيكونون عامل جذب إلى الخلف في هذا الغرب الذي يعاني من الكثير من الأزمات.

والانقسام نفسه بالنسبة للرهانات الرئيسية "الحقيقية" الكبرى حول الهجرة وتأثيراتها على مستقبل الغرب ذاته. ذلك على خلفية انقسام حاد بين الأحزاب السياسية الغربية بين "مؤيدي" الهجرة وضرورة استقبال المهاجرين على أساس أنهم "حظ" بالنسبة للغرب وبين "المتطرفين في الاتجاه الآخر الذين لا يترددون في اعتبار الهجرة "خطرا حقيقيا" على الهويّة الوطنية للبلدان الغربية المعنيّة بها.

يشرح المؤلف أن مثل هذا الانقسام يعود إلى واقع أنه كان من المستحيل لفترة طويلة القيام بـ "حوار عقلاني"". ذلك أن الصراع كان على خلفيّة "استخدام قيم متعارضة بدلا من استدلالات وبراهين متعارضة". ذلك ما تجسّد بنظرة ثنائية تنظر للهجرة وكأنها "تهديد" أو بالمقابل اعتبار المساس بها بمثابة "عنصرية". يذكّر المؤلف هنا بكتاب "الحلم البريطاني" لمؤلفه "ديفيد غودهيرت".

تلك الانقسامات الحادّة في النقاشات في المواقف المطلوبة حيال الهجرة والمهاجرين وجدت ترجمتها في نهجين متناقضين. يميل الأول منهما إلى الدعوة لفتح الحدود "قليلا" أمام المهاجرين واعتماد عدد من المقاييس التي تصب في احتياجات، وبالتالي في مصالح، بلدان الاستقبال. أمّا الميل الثاني فيطالب بإغلاق كامل للحدود.

وفي الحالتين هناك ابتعاد واضح وكبير عن المواقف التي كانت البلدان الغربية التي اتخذتها بفتح الأبواب أمام المهاجرين، بل استقدامهم، للمساهمة في موجة الازدهار الاقتصادي الذي عرفه الغرب عموما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية

تتركز تحليلات هذا الكتاب على معالجة ما يصفه المؤلف بـ "الرهانات الاقتصادية لظاهرة الهجرة". ويقارن في تحليلاته بين "تزايد هوّة عدم المساواة المذهلة" في الدخل القومي والدخل الفردي في البلدان المتقدمة ، وما يتماهى "مع الغربية" وبلدان العالم الثالث في إفريقيا وقسم كبير من بلدان آسيا. اعتمادا على هذه المقارنة يشرح أن "تسارع موجات الهجرة" و"التزايد الكبير " في أعداد المهاجرين كانا بمثابة نتيجة "محتومة" في ظل الغياب الكبير للتنمية في عموم مناطق العالم.

ويؤكّد "بول كولييه" أن "التفاوت الهائل في الدخل ومستوى المعيشة لا يعود لأسباب تتعلّق بالكفاءات الفردية ، بل بمجموعة من العوامل الاجتماعية ذات العلاقة بالمؤسسات وبمعايير السلوك الاجتماعي وفعالية الهيئات المسؤولة". وهذا ما يعبر عنه عموما بـ "النموذج ــ الموديل ــ الاجتماعي". والتأكيد أن أن "موديل الأغنياء" أكثر فاعلية من "موديل الفقراء".

أما الحلّ فلا يجده المؤلف في بـ"نمو محدود في الخل بالبلدان الفقيرة. إن ذلك، برأيه، يسهّل الهجرة ــ الرحيل ــ لكنه لا يقدّم مستوى معيشة يوازي ما تعرفه البلدان الغنية".  مشاريع الحل الحقيق تبدأ عموما بوجود مشاريع تقوم على أساس تحقيق نوع من "التنمية المستدامة".

وفيما هو أبعد من اختلال العلاقات بين البلدان المعنية بالهجرة، نزوحا أو استقبالا، يركز المؤلف على شرح التحديات التي تواجهها، أو يمكن أن تواجهها، مجتمعات البلدان الغربية على مختلف الأصعدة الثقافية والمجتمعية والسياسية، وخاصّة الاقتصادية. ويرى أنه "بمقدار ما تتعاظم نسبة المهاجرين في بلد ما تغدو المسافة الثقافية أكبر أيضا مع مجتمع ذلك البلد".

 وهذا يشكل موضوع القسم الثاني من الكتاب. وهو يقوم بهذا الصدد بنوع من المقارنة بين القيم والمنظومات الاجتماعية في بلدان المهاجرين الأصلية وبلدان استقبالهم من زوايا معينة في مقدمها " الفوارق الثقافية واللغة وواقع التباين الكبير...وحقوق الاختلاف". .  ما يؤكّد عليه المؤلف هو أن "الهجرة لا تتوقف أبدا عفويا وتميل دائما إلى التزايد إذا لم يتم كبحها وإبطائها بواسطة سياسات عامّة"

ويطرح في هذا السياق مسألة الاندماج والتمثّل المطروحة على مجتمعات الاستقبال كما على المهاجرين أنفسهم ...وصولا إلى طرح سؤال جوهري مفاده "هل يمكن للمهاجرين أن يصبحوا في عداد السكان الأصليين؟".

إن عناصر ثلاثة تحظى بالتحليلات المقدمة في الكتاب من حيث رهاناتها ونتائجها على المدى القصير والمدى المتوسّط. هذه العناصر تتمثّل في المهاجر نفسه، الفرد المعني، وبلدان النزوح التي قد تواجه "خطر إفراغها " من قواها العاملة وربما تمثّل "محّرّك نهوضها".

 والعصر الثالث هو بلدان استقبال اللاجئين التي تحظى باهتمامه الرئيسي وبقسم كبير من تحليلاته.  من النتائج الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف هو أنها مهددة اجتماعيا بحدوث "خلل كبير في نسيج بنيتها"، وسياسيا في صعود الحركات المتطرفة، وما بدت مؤشراته في العمليات الانتخابية الأخيرة في العديد من البلدان الغربية وعلى جميع المستويات.

 

وإذا كانت الهجرة تطرح تحديا كبيرا بالنسبة للعالم الغربي فإن للهجرة الصينية خصوصيتها ، بل لعلّها الحالة المثالية للحديث عمّا يحتوي عليه مفهوم "الشتات". و"شيللي شان" ، التي تقدّم نفسها كـ "مؤرّخة" للصين الحديثة، الحائزة على شهادة الدكتوراه من جامعة "سانت كروز" في كاليفورنيا والأستاذة في جامعة وسكنسون ــ ماديسون، تكرّس كتابها الأخير لــ "وطن الشتات" الذي تبحث فيه عن تاريخ "الصين الحديث في عصر الهجرة العالمية"، كما يقول عنوانه الفرعي.

الخط الناظم، لتحليلات هذا الكاتب يتمثل في شرح كيف أن "الهجرة الكبيرة للصينيين" الذين فاق عددهم أكثر من 20 مليون مهاجر ساهمت كثيرا في "تحويل ــ تطوير الصين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين".

تشير المؤلفة بداين أنها بدأت بحثها لتحضير شهادة الدكتوراه حول "الشتات الصيني" في جامعة كاليفورنيا ثمّ استكملت عملها حول الموضوع في جامعة وسكنسون مناديسون. وهي تدرس دور هذا الشتات من زاوية التأثير الذي مارسه المهاجرون الصينيون إلى العالم الخارجي في سياسة الصين واقتصادها وثقافتها.

تتوقف المؤلفة في تحليلاتها عند عدد من المنعطفات ــ التطورات الكبرى التي عرفتها الصين في مجال الهجرة. وليس أقل هذه المنعطفات المتميّزة، كما تحددها، هي رفع منع الصينيين من الهجرة عام 1893 ، والنقاشات الفكرية التي عرفتها سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، العشرين حول عمّا إذا كانت الهجرة الصينية تمثّل نوعا من الاستعمار وعمّا إذا كانت الكونفوشيوسية ينبغي أن تكون "أساس هويّة صينية حديثة، ثمّ النقاشات التي رافقت الحقبة الشيوعية في خمسينات وستينات القرن الماضي.

ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب أن مؤلفته، العارفة بتاريخ الصين الحديث، تعالج التاريخ الصيني من زاوية "فريدة" تخصّ دور الشتات في بناء الصين الحديثة مع تقديم الكثير من الشواهد المأخوذة من مشارب مختلفة.

هذه الشواهد في العديد من المجالات تذهب كلّها في اتجاه محاولة إثبات حقيقة " أن رابطة حديثة ووثيقة قامت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بين الوطن والشتات غيّرت الصين". رابطة أسست لما تصفه "شيللي شان" بـ "تاريخ الصين الشامل"، حسب التعبير التي تستخدمه.

تنطلق المؤلفة في تحليلاتها من تثبيت مجموعة من الوقائع التاريخية الخاصّة بهجرة الصينيين. وتأكيدها أنه "خلال سنوات 1840 ــ 1940 غادر أكثر من 20 مليون صيني غادروا الصين وعبروا المحيطات ليقيموا في أمكنة أخرى".  وهذا يضع الصين في طليعة بلدان انطلاق الهجرة بعد "هجرة أكثر من 50 مليونا من أوروبا و30 مليون من الهنود في العصر الحديث".

وفي جميع حالات ترى المؤلفة أن خصوصية الشتات الصيني الكبرى أن "أغلبية المهاجرين الصينيين لم يشعروا أنهم أصبحوا غرباء عن بلدهم بسبب رحيلهم عنه". على العكس لقد ساهموا أكثر فأكثر في حركات المال والسلع والأفكار والأشخاص. والغالبية منهم تركوا أسرهم في البلاد، وقاموا بتحويل الأموال لهم..

وتشرح المؤلفة في مختلف فصول الكتاب الخمسة كيف أن المهاجرين الصينيين مارسوا مختلف النشاطات وفي مختلف المجالات والتجارب في البلدان التي توجهوا إليها خاصّة في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان جنوب القارّة الأميركية ، كما في العديد من البلدان الأوروبية. لقد ساهموا، كما نقرأ في "البحث عن الذهب في أميركا". وفي بناء "شبكة السكك الحديدية عابرة الحدود في الولايات المتحدة الأميركية وكندا ومدّها باتجاه مناطق غرب المحيط الهادئ".

وشملت نشاطات المهاجرين الأميركيين إلى جميع بلدان منطقة جنوب شرق آسيا حيث مارس قسم منهم "نشاطات تجارية" بينما ساهم القسم الأكبر منهم في زراعة "الأفيون" و"إنتاج المطاط". والإشارة في هذا السياق أنه منذ القرن العاشر عبر "حجاج ومبشرين وتجار وعمال البحار المفتوحة ــ بحار جنوب الصين "، أي قبل عدّة قرون من الهجرات الصينية الحديثة. هذا ما تشرحه المؤلفة بالتفصيل في فصل يحمل عنوان " مستوطنو بحار الجنوب".

والإشارة في هذا الإطار أن السلالات التي حكمت الصين منذ أواسط القرن الرابع عشر وحتى أوائل القرن العشرين رفعت، "على خلاف القوى الأوروبية التي سعت إلى توسيع إمبراطورياتها البحرية"، شعار " تجار بدون إمبراطوريات".

وفي محصّلة توصيف مجالات عمل صينيي الشتات تصل " شيللي شان" إلى القول أن " تأثير كبير على المستوى العالمي. واستخدمت حيالهم تعبير "تاريخ الصين المبعثر" بحيث يتم التأكيد أن الشتات الصيني يشكّل أحد المكونات الأساسية في التاريخ الصيني الحديث".

تنشير المؤلفة أنه بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الصين أمام انكلترا عرفت وجهة الهجرة الصينية تبدّلا كبيرا عبر التحوّل "من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي". والتأكيد أن المهاجرين الصينيين "جرّوا الصين نحو مدارات الإمبراطوريات والأمم والأسواق الكبرى...بعيدا عن شواطئ بلادهم".

وتشرح المؤلفة تحت عنوان "التقارب الكبير" أن هدفين أساسيين لعبا دور  "المحرّك"  في خلق روابط داخل الصين وخارجها. وهما بناء الصين على اعتبار أنها "وطن الأجداد" و "خلق ارتباط عضوي بين الشتات الصيني وبلادهم الأصلية".

وعلى أساس الهدفين ــ التوجهين قام بالتوازي نقاش ثقافي وفكري حول مجمل القضايا" ذات الاهتمام المزدوج". ذلك بين "الشتات الصيني في الخارج" و" نخب الصين في الداخل". وكان ذلك بمثابة دافع حقيقي للعمل من أجل بناء أدوات تواصل لتجسيد مساهمة المهاجرين الصينيين في تعزيز أسس الصين الحديثة.

وتكرّس المؤلفة العديد من الصفحات لشرح علاقة "الصين الرسمية" مع "المهاجرين الصينيين في الخارج". والتأكيد بهذا الصدد أن تلك الصين الرسمية لم تولِ الكثير من الاهتمام بدور صينيي الخارج ببناء الصين الحديثة. بل والتأكيد أنها لم تعترف بذلك سوى في فترة متأخرة. هذه مع تكرار الخطاب الرسمي بأشكال مختلفة أن ذلك الدور كان "هامشيا". ووصفهم ضمنيا أو صراحة بـ" مجموعات تتم قيادتها من داخل الصين".

وتشرح "شيللي شان" وجود تباين كبير بين المنظور الذي قدّمه المؤرخون الأميركيون حتى ما قبل الحرب العالمية الثانية للمهاجرين الصينيين أنهم "أجانب قدموا من بلاد بعيدة...ومتواضعة".

والإشارة في نفس السياق أن المؤرخين الأميركيين من أصل صيني ركّزوا على إبراز الدور الفعّال الذي قام به المهاجرون الصينيون في ازدهار الغرب الأميركي خاصّة والأمة الصينية عامّة". تلك الصورة تغيّرت كثيرا بعد وصول دينغ هسياو بينغ إلى السلطة بعد رحيل ماوتسي تونغ حيث "أُعيد ابتكار الهوية الصينية على أساس قوّة الصين في العالم وعلى ضوء العلاقات الأميركية ــ الصينية".

من النتائج النهائية التي تؤكّد عليها المؤلفة تأكيدها أن هناك "تداخلا بين تاريخ صيني مبعثر يمثله الشتات" وبين "أمّة صينية موحّدة وذات سيادة".

 

وحالة أخرى عن الهجرة في بلاد شاسعة غدت في الزمن الراهن أحد وجهات المهاجرين الأكثر بروزا ، وهي كندا. وتحت عنوان " الأولوية للأسرة" يشرف "هارارد بودر" أستاذ الجغرافيا ومدير برنامج الدراسات العليا حول الهجرة في جامعة أيرسون في تورنتو على إنجاز كتاب جماعي لشرح "الهجرة والاندماج في كندا"، كما جاء في عنوانه الفرعي.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المساهمون في هذا العمل تتمثل في التأكيد أن "السياق الأسري"يمكن أن يكون أداة تعبئة فعّالة من أجل تسهيل الاندماج". وهذا ما تتم محاولة تقديم البراهين عليه وتبيين كيف يمكن لجميع المعنيين بهذا الاندماج ابتداء من المهاجرين الجدد أنفسهم ووصولا إلى المسؤولين عن صياغة سياساته الاستفادة منه.

تتوزع محتويات هذا العمل بين قسمين رئيسيين يحمل الأول منهما عنوان " أسطورة المهاجر ذاتي الاكتفاء" وعنوان القسم الثاني " الميزة العائلية".، ويحتوي كل قسم على مجموعة من الفصول.

يتفق المساهمون في هذا العمل الجماعي على الإقرار الأساسي بأن "الهجرة والاندماج" يمثلان قديما وحديثا هدفا مشتركا للقادمين الجدد إلى كندا... كما لغيرها من البلدان؛ وعلى تعريف الهجرة أنها عنت في عمقها منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين "الانتقال من بلاد البؤس إلى بلاد الثروة".

لكن، وبسبب ضعف الإمكانيات الماديّة آنذاك وكلفة نفقات السفر الباهظة، كان آنذاك وجود بعض الأقارب والأهل في عين المكان "عاملا مساعدا بالغ الأهميّة" حيث ""كانت الأسرة هي الملجأ" في الكثير من الأحيان... والإشارة في هذا السياق أن موجات المهاجرين الأولى لم تعرف الكثير من أصحاب الملايين.

الوضع تغيّر اليوم حيث غدا السفر أسهل وأقل كلفة وسياسات الهجرة نفسها "أقل عنصرية". لكن دور الأسرة "بجميع أفرادها" تعزز أكثر فأكثر في كندا المعاصرة، كما يشرح المساهمون في هذا الكتاب بالاعتماد على ما أثمرته العديد من وقائع التجارب المعاشة كما دلّت الدراسات الميدانية التي أجراها المساهمون لعشرات الأسر المهاجرة. والمختبر الأساسي هو منطقة تورنتو الكبرى التي كان يقطنها عام 2015، حسب إحصائيات 2016، ما مجموعه 5،9 مليون نسمة بينهم 2،7 مليون من مواليد بلدان أجنبية.  

ويؤكّد المساهمون في هذا الكتاب على أن القيام بمقاربة ميدانية لمسألة الاندماج من زاوية دور الأسرة يمكن أن تشكّل أداة تعبئة على مختلف المستويات من أجل "تسهيل اندماج المهاجرين الجدد" في النسيج المجتمعي الكندي. والتأكيد أيضا في نفس السياق أن الأسرة بجميع أفرادها تساهم في "تغذية رأس المال الإنساني ورأس المال المجتمعي في الزمن الحاضر، كما بالنسبة للمستقبل".

يتم الحديث في مجال الاندماج "الناجح" على عدّة عوامل مرحلية أساسية في مقدّمها "التحضير اللغوي للمهاجرين الجدد" وحسن الاستقبال وتقديم المعلومات"المفيدة" حول مستلزمات الحياة الجديدة وتأمين المسكن. ثمّ تأتي مرحلة "التأقلم" بما تستدعيه من فرص عمل مناسبة "لأفق الاستقرار لفترة طويلة" والاستفادة من جميع الحقوق الاجتماعية المدرجة في القوانين النافذة.

والتركيز على تأمين المدارس والجامعات لأبناء الأسرة من أطفال وشباب. ذلك أن "آفاق تأمين مستقبل الأطفال والشباب تشكّل غالبا عنصرا هاما بالنسبة للأسر الراغبة في الهجرة إلى بلاد جديدة". بالتوازي مع ذلك يتم التأكيد على أن الأسر تسعى "طبيعيا" على السير نحو مستقبل أفضل.

 والتأكيد أيضا بهذا الصدد على أهميّة دور السياسات العامّة ودورها في "تشجيع أو عدم تشجيع" المهاجرين في الاندماج بمجتمعات الهجرة. وفي مقدّمة تلك السياسات الدعم الحكومي فيما يتعلّق بحسن الاستقبال وتأمين المسكن. والإشارة بأشكال مختلفة إلى ضرورة "تعديل السياسات السارية المفعول، إذا اقتضى الأمر، من أجل تحقيق الهدف الأساسي المتمثّل في "اعتبار المهاجرين أنفسهم معنيّون ومسؤولون عن اندماجهم في مجتمعهم الجديد".

والمرحلة النهائية من الاندماج تستدعي بالضرورة "تغذية مشاعر الانتماء العميقة لمجتمع الاستقبال". وفي جميع الحالات يتم تحديد الهدف الأساسي خلال جميع المراحل في ضرورة "ترك الحريّة كاملة لكل مهاجر فيما يتعلّق بمستوى مساهمته في المجتمع. وإذا أراد أن تكون مساهمته نشيطة فليس أمامه أيّة عوائق. بل هناك آليات من أجل تسهيل مثل هذه المهمّة".

وعلى خلفية التأكيد أن "الاندماج" لا يقاس فقط بالمؤهلات الفردية لخوض غمار سوق العمل، يتم في هذا الإطار طرح مجموعة من الأسئلة التي يتم التأكيد في بعض مساهمات كتاب "الأسرة أوّلا" على ضرورة البحث عن إجابات عليها بغية تحسين استيعاب مراحل الاندماج. أسئلة من نوع : "ما الذي يحثّ المهاجرين الجدد إلى دفع مساهمتهم الاجتماعية إلى الأمام وما الذي يحدّ منها؟".

 

وكتاب أخير في هذا المحور تمّ اختياره، بعيدا عن أية مواقف إيديولوجية، لدلالته على تطرّف الذين ينضوون في مثل رؤيته في موقفهم المناوئ للهجرة بسبب "خطورتها" على وجود "الأمّة" المعنية بها.

عنوان الكتاب الرئيسي هو "فرنسا الممنوعة"، وعنوانه الفرعي "ذو الدلالة الواضحة" هو "تحقيق حول موضوع محرّم: انقراض أمّة". مؤلفه هو "لوران اوبيرتون"،الذي تمّت ترجمة أعماله إلى العديد من اللغات، ويباع منها مئات الآلاف في فرنسا وحدها مما يضعها في عداد الكتب الأكثر انتشارا في البلاد.

تتم الإشارة كمنطلق في التحليلات المقدّمة إلى مقولة شائعة رددها رؤساء فرنسا على مدى العقود الأخيرة المنصرمة مفادها "الهجرة هي حظّ بالنسبة لفرنسا". وفي مواجهة هذه المقولة يعلن المؤلف للدخول في صلب موضوعه: "دعونا نتحقق من ذلك".

وبالاعتماد على سلسلة طويلة من التحقيقات التي قام بها المؤلف، ومن الإحصائيات الصادرة الخاصّة بالهجرة والمهاجرين وأعدادهم في فرنسا ــ والتي "يمكن التحقق منها" كما يشير ــ يصل "اوبيرتون" إلى نتيجة يؤكّد فيها على "المحصّلة السلبية إجمالا التي ترتبت على الهجرة". تجدر الإشارة أن مثل هذه النتيجة تندرج في إطار صدور سلسلة من الكتب "الصادرة حديثا"التي تسلك نفس النهج من التحليل.

وهذا يصبّ بوضوح في المنحى العام لشريحة هامّة من الفرنسيين الذين ينضوون تحت خانة" اليمين المتطرّف" الذي يستثمر سياسيا في التحذير من "التهديد القاتل " الذي تمثّله الهجرة على "الهوية الوطنية" الفرنسية، والهويات الوطنية الأوروبية الأخرى المعنية بالهجرة، بل تهدد بـ "زوال الأمة، الفرنسية" وما يمكن أن يجعل البلاد "على حافّة الفوضى" والمصير نفسه ستعرفه أمم أوروبية أخرى، حسب التحليلات المقدّمة.. والتحذير أيضا، بكل الأحوال، من "خطورة تجاهل الوضع القائم" على خلفية المصالح السياسية.

يشرح المؤلف أن أصحاب القرار السياسي الفرنسي، اليمينيين منهم واليساريين، تجاهلوا عن عمد المعلومات التي ترسم الواقع القائم خلال العقود الأخيرة، بل "أبعدوها عن الواجهة". ذلك من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في سنوات الثمانينات وحتى الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، ومرورا بالرئيسين اليمينيين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي. والإشارة أنه ساد نتيجة ذلك نوعا من الإحساس أن "الوقت قد تأخّر كثيرا" لمواجهة مثل هذا الواقع.

كما يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات أن شريحة كبيرة من الطبقة السياسية والثقافية والإعلامية الفرنسية "تتجاهل"، عن عمد، الأخطار المترتبة على واقع الهجرة في مستقبل الأيام غير البعيدة، وتعلن انتماءها لمقولة سائدة يحددها المؤلف بتوصيف "التعددية الثقافية".

ويحذّر بأشكال مختلفة من خطر "تدفّق " المهاجرين على بلدان أوروبا الغربية خلال العقود القليلة القادمة. مع الإشارة أن أعداد كبيرة من هؤلاء سينطلقون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، السوداء ومن بلدان جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط.

وبمواجهة المستقبل وما يحمله من تهديدات يرفع المؤلف نوعا من الشعار الذي يمكن أن تعبر عنه الجملة التالية : "النضال أو الزوال". ويطالب بإجراء "استفتاء وطني عام " حول الهجرة وسياساتها على الصعيدين الفرنسي والأوروبي. ذلك بهدف تبنّي سياسات "تجعل الهجرة تحت السيطرة" يكون منها "حماية الأمم الأوروبية" من "انفلات عقالها".

تورونتو،أونتاريو - كندا

1 شاريع يونغ، جناح#1801

Tronto, Ontario M5E 1W7 - Canada

Yonge Street, Suite# 1801 1

©2019 by Qira'at