نشوء الدول والمدن ونتائج قيام مجتمعات الزراعة

التاريخ الدفين للدول الأكثر قدما

الكتاب : ضد زراعة الحبوب

التاريخ الدفين للدول الأكثر قدما

            

تأليف : جيمس س. سكوت       

الناشر : جامعة يال ــ 2018

          336  صفحة

Against the grain

 

James C. Scott

Yale University Press – 2018

 336 PP

تتعدد الروايات المتداولة حول المراحل الأولى من نشوء المجتمعات الإنسانية والدول بأقدم صورها. والنظرية السائدة غالبا تعيد ذلك النشوء إلى الانتقال من مجتمعات الصيد والقطف إلى المجتمعات الزراعية التي دفعت بدورها نحو الاستقرار والشروع بحياة ذات طابع حضري. وما شكّل مرحلة جديدة من تطور المسار الإنساني كخطة أساسية في تشكّل المجتمعات والدول.

بهذا المعنى كانت الزراعة هي في أصل نشوء تلك المجتمعات والدول. لكن "جيمس س. سكوت"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة يال الأميركية والأخصائي ذو الشهرة العالمية في ميدان دراسة المجتمعات الزراعية وصاحب العديد من المؤلفات في هذا الميدان ، يذهب إلى القول أن بروز المجتمعات الزراعية شكّل نقطة تحوّل "مأساوية"  كبرى في المسار الإنساني العام... وبالتحديد فيما يتعلّق بزراعة الحبوب.

ويشرح في كتابه الذي يحمل عنوان "ضد زراعة الحبوب"، الصادر عن الجامعة التي يدرّس فيها في خريف عام 2017 لتعاد طباعته بعد أشهر عام 2018، أن الهيمنة على زراعة الحبوب وجمعها وتنظيم دورة التعامل المتعلّقة بها ،كانت وراء بروز مجموعة من النخب ، ذات المشارب المتنوّعة، التي سعت إلى التحكّم بدورتها وبالتالي بـ "تخزينها" و "تسويقها" و"تنظيم المحافظة على فوائضها".

وتلا ذلك ضرورة "إنشاء إدارات" و"قوى للحماية خارجيا والحفاظ على الأمن داخليا". كلفة ذلك كلّه تبعها بالنتيجة "تبنّي سياسة فرض ضرائب" استهدفت في المقام الأول "الحبوب" بسبب دورة إنتاجها المنتظمة وسهولة"حفظها" و"اقتسامها" و "ممارسة الرقابة عليها" قياسا بأغلبية المنتجات الزراعية الأخرى.

 وما تطلّب كلّه قيام هياكل تحمل البذور الأولى لتشكّل ما غدا بمثابة الحالة الجنينية لقيام الدول بمفهومها الحديث الأكثر تعقيدا. هذا مع التركيز على القول أن "الانتقال من الصيد والقطف إلى الزراعة" حدث تدريجيا وخلال مدّة زمنية تقاس بآلاف السنوات.

والإشارة في هذا السياق أن ظهور الزراعة بأشكالها الأولى لحوالي 10000 سنة، بينما أن "اختراع النار".. يعود لما يقارب الـ 400000 سنة حيث غيّر كثيرا في تطوّر المسار الإنساني وكان بمثابة أول "فعل ثقافي" حيث مثّل "تدخّلا بشريا" للتحوّل من "النيء إلى المطبوخ".

 

 

ويربط المؤلف بين توسّع زراعة الحبوب وترافقها مع بروز ظاهرة تربية المواشي والقيمة الغذائية الكبيرة لبعضها وثبات دورة إنتاجها الزمنيّة وبين ظهور الأشكال الأولى "الأكثر قدما" للدول، وما يطلق عليه عامّة توصيف "الدول ــ المدن"، على غرار التعبير السائد "الدول ــ الأمم". ويتساءل المؤلف في هذا الإطار عمّا إذا كان لجوء البشر إلى الزراعة ليس مرتبطا بواقع " فترة البرودة الشديدة" التي عرفها كوكب الأرض قبل حوالي 13000سنة؟..

لكن، وعلى عكس القراءة الإيجابية التي يتم تقديمها عموما من قبل المؤرّخين، للتطور الاجتماعي عبر الانتقال من مرحلة الصيد والقطف، فإن المؤلف يركّز في تحليلاته على "الآثار السلبية" التي رافقت نشوء الزراعة والمجتمعات الزراعية. تجدر الإشارة أنه يركّز تحليلاته على ظهور الزراعة في منطقة "ما بين النهرين" في العراق اليوم حيث "وُلدت الدول ــ المدن، الأكثر قدما في التاريخ..

وعلى عكس فكرة سائدة يشرح المؤلف كيف أن "الزراعة لم تحرر الإنسان، بل على العكس ساهمت في زيادة عبوديته". ذلك على خلفية "العمل البدني الشاق" الذي تتطلبه بالقياس إلى مرحلة "الصيد ــ القطف". بل يذهب المؤلف إلى ما هو أبعد عندما يرى في الزراعة" أكبر خطأ ارتكبته البشرية".

هكذا يجد "جيمس سكوت" أن وصول الزراعة وما رافقها من مستلزمات الاستقرار والانتقال إلى الحياة الحضرية حرم بشر تلك الحقبة من سلسلة طويلة من المنتجات الغذائية التي كانت توفرها لهم الطبيعة في فضائها الرحب. وكانت "حريّة الحركة" تلك توفر لهم "تنوّعا كبيرا" في مصادر الغذاء بعيدا عن أيّة سلطة تفرض عليهم قوانينها.

 بهذا المعنى ساهمت الزراعة، وما تبعها من مستلزم الاستقرار في قرى وأماكن معيّنة وبزراعات لها دورتها، في الحدّ كثيرا من حريّة حركة "الحضريين". هذا فضلا عن "انحسار أنشطتهم" وآثار ذلك على صحتهم. وواقع أن حياتهم "المشتركة"، فيما بينهم ومع الحيوانات "الأهلية" التي قاموا بتدجينها، تزامنت مع ظهور سلسلة من الأمراض والأوبئة الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل.

ويميّز المؤلف بين ظهور الأشكال الأولى، الأكثر قدما للدول ــ المدن، وبين " واقع انتماء " المجموعات البشرية التي كانت تدور في محيطها لها وبتمثيلها لهم. مثل ذلك "الانتماء" و"الانضواء"تحت جنح تلك الدول الوليدة تطلّب آلاف السنوات، حسب تحليلات المؤلف، وتطلّب معانات المجموعات والبشر المعنيين من "مخاطر" متنوّعة المصادر دفعت للاحتماء بدولة.

 والربط في هذا السياق بين "درجة الاندماج في الحياة الحضرية" وبين "بروز السلطات " ذات الطابع المركزي. والتزامن أيضا بين ظهور تلك الدول وبين "تعزيز مختلف أشكال التفاوت الاجتماعي" تبعا للموقع الذي يحتلّه المعنيون في الهرم المجتمعي الخاصّ بهم.

في المحصّلة يشرح المؤلف أن بروز تلك الدول، الأكثر قدما، كان بمثابة "ضرورة محتومة" من أجل تسيير "مستلزمات الاستقرار" التي أعقبت نشوء الزراعة  والنمط المجتمعي الذي نتج عن ذلك. لكن ذلك كان يذهب، بالوقت نفسه، عكس تحسين أوضاع "المجموعات البشرية، السكانية، المتواجدة في دائرة نفوذها، باعتبارها تتحمل وزر القيام بالأعمال الشاقّة". ذلك أن المعنيين كانوا يشكلون "رعاياها" المطلوب منهم خدمة مصالحها ومصالح "النخب" النافذة بكل مشاربها المتعددة.

تورونتو،أونتاريو - كندا

1 شاريع يونغ، جناح#1801

Tronto, Ontario M5E 1W7 - Canada

Yonge Street, Suite# 1801 1

©2019 by Qira'at